“سقف الممكن مذهل!”

 

أجمل فترة مريت بيها كانت الفترة اللي ربنا نجاني فيها من شر عظيم وقدرني بعدها ارجع أقف على  رجلي من تاني. ارجع أقف وانا كلي كسور ولوحدي وضعيف جدا ومش عارف أطلب مساعدة من بشر وخايف من كل خطوة جديدة هخطوها.. طوّلت كتير في المرحلة الانتقالية من هناك لهنا.. وشايف اني لسه فيها ومحتاج اشد شوية على نفسي كمان.. الطريق أو الرحلة مانتهتش ومش الغاية اني اخلصها بسرعة او اوصل لنتيجة بقدر ما الغاية في الرحلة والطريق نفسه.. وإني اتعلم، بس أتعلم.

حابب وجود الصحبة الخفيفة للمعاني اللي بقابلها في سكتي على استحياء، المعاني اللي مش قادر اركز كويس في دلالاتها.. بحاول أواجه نفسي كتير، وبخسر أكتر، لكن طول ما أنا لسه قادر اكسب نفسي في مرات قليلة فده مؤشر جميل على أن ربنا حباني القدرة وإني أقدر لو التزمت ومشيت على النهج.

انا بحب نفسي جدا وبحب اني لسه واقف على رجلي بفضل ربنا، وبحب مثابرتي وان لسه نفسي طويل حتى لو كنت بكح كتير في النص.. حتى لو كنت بستسلم كتير في النص، حتى لو كنت بتكعبل وبقع وبعوّر نفسي.. لكن بسرعة التعاوير  بتخف وبيرجع الجسم يجدد خلاياه.. بس لأننا مخلوقين من أجل المحاولة الدايمة في تحسين ذواتنا وحالنا من حال لأفضل، مخلوقين لمحاولة تغيير دائمة ومستمرة للأوضاع الراهنة اللي بننشأ فيها.

الاكتئاب والحزن والقلق اتعلمت عنهم أنهم زي الأفكار، صعب مقاومتها لكن ممكن تحاول ماتتماشيش معاهم.. في فيلم A Beautiful Mind جون ناش كان دايمًا بيشوف الاشخاص الوهميين اللي في خياله، فضل يشوفهم لآخر لحظة، وكمل في حياته، كمل بس لأنه قرر أنه يتجاهل وجودهم، وقدر يتحكم في أفكاره ومشاعره. حبيت الفكرة، حبيت فكرة ان ربنا حاطط جوايا القدرة دي ومستنيني أفعلها علشان أبقى انسان أفضل..

في كل زمان وفي كل مكان فيه الشر وفيه الخير، انا مش نبي لكن مضطر أواجه نفسي والناس علشان أقدر أغيّر.. وبلاد ربنا مش حجة.. اللي عاوز يغير، متاح ليه أنه يغيّر.. أنا مش في سبق ولا حد بيجري ورايا.. لا الحقيقة الشركات هي اللي بتجري ورايا، الرأسمالية والنهش الإقتصادي بس هو اللي بيجري ورايا علشان يحطوا إيديهم في جيبي ويربطوني من رقبتي، ويخلوني أجر في ساقية على مفيش.. والله على مفيش!

أنا بحب نفسي، وحابب وجودي في الحياة واللي وجودي فيها عبارة عن تفضل عليا من ربنا وليس استحقاق.. حابب أكمل وأغير وأبقى أفضل.. لأني مش مخلوق لغير كده.

“سقف الممكن مذهل!”

لَم يأت الحزن في القرآن إلا مَنهِيًّا عنه أو مَنفِيًّا .. وسر ذلك أنَّ الحزن مُوقفٌ غير مُسَيِّر، ولا مصلحة فيه للقلب، وأحبُّ شيء إلى الشيطان أن يُحزن العبد ليقطعه عن سيره ويَقِفَه عن سلوكه .. فالحزن ليس بمطلوب ولا مقصود ولا فيه فائدة، وقد استعاذ منه النبي، صلى الله عليه وسلم .. لكن نزول منزلة الحزن ضروري بحسب الواقع، ولهذا يقول أهل الجنة إذا دخلوها «الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن»، فهذا يدل على أنهم كان يصيبهم الحزن في الدنيا كما تصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم .. فالحزن مِن لوازم الطبيعة، لكنه ليس بمقام.

ابن القيم، رحمه الله.

لنكتشف قبح العالم وحدنا.

“مافيش حياة إلا عند غيرك .. تعيش في خيره ويعيش في خيرك” فؤاد حداد

من المحزن أنه تبقى عندي رغبة قوية في تدوين أفكاري لكن ألاقي صوت جوايا بيقولي: اركن كل حاجة على جنب دلوقت وماتفكرش خالص.. دي تقريبًا حيلة بحتال بيها على نفسي لما بنشغل بحاجة وحابب أديلها كل طاقتي وتركيزي.. مش بالسهولة طبعًا إن ده يحصل لكنّه قابل للتطبيق نوعًا ما. فأنا من امبارح باين وانا حابب اكتب؟ أظن السما مش هتقع على دماغي لو كتبت حاجة النهاردة.

il_fullxfull.1415755729_moal
via (https://www.claudiatremblay.com/listing/562712678/sister-gift-to-sister-gift-for-friend)

دايمًا بشوف إن علاقتي بأخواتي البنات كانت مبتورة، يعني أنا الأخ الولد الوحيد والاخير، وعلى ما وعيت على نفسي وكبرت كانوا اتجوزوا ومشيوا والبيت فضي، البيت فضي في أكتر وقت كنت محتاج فيه ان البيت يكون مليان. أنا مش بلوم حد ولا بلوم نفسي، مؤخرًا بقيت أحب أشوف نص الكوباية المليان، يعني هو ده اللي كان متاح، عاجبك؟ شوف حالك بقى دلوقت واللي بين إيديك. وغالبا مش بلاقي غير نفسي هي اللي بين إيديا :d بس ده في حد ذاته إنجاز. كان نفسي العلاقة بيني وبين أخواتي تبقى أفضل وأعمق وأقوى، كان نفسي تبقى فيه رابطة أكثر حضوراً من رابطة الدم، اممم رابطة الفكر مثلا؟ أو رابطة الخفّة ممكن. كان نفسي الأحاديث العابرة تكون أكثر خفة وانسجامًا، والأحاديث الحميمة، اللي هي مش حميمة لكنّي بحسها فيها حميمة، تكون الطبيعي بيني وبينهم، وقفة البلكونة والحديث المفاجيء عن شئوني بمبادرة منّي مش منهم، الحديث اللي مفيهوش احتيال على نفوسنا واللي مرينا بيه.. كان نفسي حد منهم يشاركني فكرة أن حاجات كتيرة جوانا ماتت وإننا كان ممكن نكون نسخة أفضل لو كانت الظروف في صالحنا، بس أعتقد أنه ده حاصل بشكل ضمني، مش محتاجين نصرّح علشان إحنا مش بتوع دراما، أو يمكن بتوع، بس هو كده التصريح بالأشياء وخاصة المشاعر منها صعب عندنا، حتى لو حق، طبيعي يعني بالنسبة لناس اتربت على التحفظ في التعبير عن المشاعر، ممنوع تصرّح أو حتى تصرخ! الحمد لله برضك. والحمد لله أننا مرينا من الابتلاء على كلٍ، لكن هل هو عيب هو وحرام لو كنت بشوف أنه الابتلاء مر وساب في ديله حاجات صعبة وتقيلة مش من السهولة انها تتنسي؟  هل من الغريب/المريب إني أسمي الظروف ابتلاءات؟ لكن اللي ممكن أكون عارفه، أنه مش من العدل أحزنلهم على حالهم أو هما يحزنوا على حالي. طيب.

هذا الوقت سيمر.. هيسيب إيه في ديله؟ وهيمر بأي شكل؟ وهياخدنا على فين؟ ماحدش يعرف. هذا الوقت سيمر، بأفضل مما كان سيمر، لو كان برفقتك أحد يخبرك على طول الطريق بأن هذا الوقت سيمر.

يبدو أن الهروب أبدي. أن الحياة هروب متكرر. طيب وبعدين؟!

في استراحة من رحلة الهروب التي لم يعد يقطعها وحده، يخبر البطل رفيقته قصته. ثم يقول: “الآن أعتقد أنني سأصبح نادلاً.” تقول: “واضح جداً.” يستدرك: “أو ربما روائياً في القاهرة.” تهز رأسها بتأثر بالغ وتعلق: “سو رومانتيك!” ثم يسألها: “طيب وتاجر سلاح؟!” فتجيب بسرعة: “مستبعد جداً.” ليخبرها: “أعتقد أنني تاجر سلاح بالفعل!”.

يعود جاك إلى الفندق، ولاتزال معه رفيقته اللطيفة. يرمي على السرير جسداً مرهقاً، ومضجراً. تقترب منه ماريا وتقول: “أليس طريفاً ما نصنعه.. أليس مريعاً أن تكون أعمى؟” يفتح عينيه ويخبرها قصة: “كنت أعرف رجلاً أعمى. في الأربعين من عمره تقريباً -وهو نفس عمر نيكلسون نفسه تقريباً وقت تصوير الفيلم- أجرى عملية جراحية واستعاد بصره. في البدء كان مغتبطاً. سعيداً حقاً. الوجوه. الألوان. المناظر الطبيعية. لكن كل ذلك بدأ يتغير. العالم كان أفقر بكثير مما تخيل. لم يخبره أحد قط كم فيه من القذارة. وكم فيه من القبح. عندما كان أعمى كان يعبر الشارع لوحده، بعصاه. وبعدما استعاد بصره أصبح خائفاً. بدأ يعيش في الظلام. لم يترك غرفته قط. وبعد ٣ سنوات انتحر!”.

(**)

“كل ذكرياتنا مكتوبة علي طياراتنا الورق “

“كل الطيارات حلوة وبتطير، إلا طيارة حسام!”

unnamed

كان لازم يبقى عندي 25 سنة، ويبقى عندي إنترنت وأعرف أفتح يوتيوب وأتعلم أعمل طيارة ورق بنفسي، علشان في النهاية تطير وترفرف وماتضربش قرون في السما؟ كان لازم أمر على الوقت ده كله علشان أجرب المتعة الضئيلة دي؟ إخس!

 

عارف الطيارة الورق
اللي قعدنا نلعب بيها سوا
وعمر ما حد فينا زهق
فاكر لما مسكنا طيارتنا ؟
بنسابق بعض وبنسابق الريح
وعمر ما حد فينا سبق
فاكر الشرايط الملونة ؟
لما جينا نقطعها وكنا مولعين بخور علشان ريحة الصمغ
وفجأة كل اللي في ايدينا اتحرق
وجينا نطفي الولعة الصغيرة علي الترابيزة
دلقنا مية وكله فجأة غرق
وقعدنا نضحك ونلم بسرعة
أحسن أهالينا ييجوا وتبقي ليلة ضايعة
* طيارة ورق – ندى نادي

كيف تلتقط خيط الحياة القديمة؟
كيف تستمر عندما تبدأ في الفهم من قلبك
أنه لا يمكن العودة للخلف
هناك بعض الأشياء لا يصلحها الزمن
بعض الأذى الذي يكون أثره عميقًا
والذي يظل بك.
The Lord of the Rings: The Return of the King (2003)

نفق مظلم وطويل

images

سأحاول كتابة أي شيء لأنني أشعر بالضيق والإختناق. العشرون يومًا الأخيرة مرت ولم أشعر بمرورها ولم أشعر بنفسي خلالها. لا أعرف ماذا أفعل وإلى أي شيء أمضي. أفكر في الموت وقلبي مقبوض وخائف منه ومما وراءه، خائف من المجهول وإلى أي مصير سأكون عليه؟ بحق أنا لست مستعدًا لملاقاة الله، ولا أعرف ما أفعل حيال ذلك. منذ لحظات دعوت أن ينجني الله من الغم كما نجى رسوله يونس عليه السلام. ما زلت أدعى ولكن لا يتغير حالى. ربما ظاهري يتغير، أتحسن بقدر ما، لكن باطني كما هو، نفس الضيق ونفس الهم ونفس الحزن القائم داخلي بلا أي سبب أو مبرر. لم أرزق بأي صديق، ويبدو أن  الحزن مستمتع بصحبته المفروضة غصبًا عليّ. أعرف أنه إن مكنني الله مما أريده، سيظل الحزن والخواء الداخلي هو سيد الموقف.

 

لا أريد العودة لأخذ أدوية الإكتئاب لأنني مللت منها وكنت آخذها بيقين أن لا شيء سيتغير وكنت أوهم نفسي بأن شيئًا ما يتغير. ربما لا يوجد خلل عضوي بي، وأن المشكلة تكمن بالكامل في طريقة تفكيري. في طفولتي لم أكن على هذا الحال، ولا أعرف أو أتذكر متى تلبستني تلك التعاسة قبيحة الوجه والرائحة. لا أريد الذهاب لطبيب نفسي للمرة الثالثة لأنني أعرف أنني سأنتهى إلى نفس نتيجة المرة الأولى والثانية. مواجهتي ليست مع الاكتئاب، بل مع الوحدة المتسمرة داخلي.

كتبت منذ أيام:

“قصتي مع كل طبيب نفسي زرته لا تدوم للأسف، وبالتالي تظل أغلب مشكلاتي النفسية قائمة. في هذه الأيام أشعر بحالة مزاجية سيئة، أقرب للإكتئاب، ولا أقول أنها اكتئاب لأنني منشغل عن نفسي بنسبة جيدة، ولأدخل في حالة اكتئاب شديدة تجعلني لا أرغب في فعل أي شيء والبدء بالنحيب العام لأجعل دوران العالم يتوقف من حولي، فهذا يحتاج إلى عامل مساعد، وأنا في هذه الأثناء على شفا حفرة هذا العامل. ألا وهو الحجر الصحي، أو الحبس في المنزل!

ولكن بشكل ما، هذا الإنشغال الذي أتحدث عنه يبعث في نفسي نوعًا آخر من الكآبة، قد لا اعرف لها تفسيرًا. أتمادي في الإستماع لما تمليه علّي نفسي من أفكار وترهات، وهذا ما يزيد الطين بللًا، ويبدو أن عليّ المحاولة مرة أخرى في طريقة لجعلي أتوقف عن الإسترسال في التفكير فيما أشعر به في أوقات كثيرة. إن استطعت أن أتوقف عن التفكير ومحاولة الإندماج في العمل والتعلم، سيكون لهذا أثر جيدًا في نواحي عديدة.  يجب أن أخُرس أفكاري وأعمل، لست أمتلك طموحًا، ولست أسعى وراء شغف، ولست أنتظر شيئًا في الدنيا، ولست بحاجة لنتيجة عملي، عليّ أن أعمل فقط وأنتظر، عليّ أن أخرج من هذا النفق المظلم.”

ومنذ عام أو أكثر قرأت هذه الجملة في مقال يتحدث عن اكتئاب ما بعد الولادة، وأجد أكثر من مقال يتحدث عن هذا الأمر ينقل دائمًا مشاعر صاحبته  بأنها في تلك الفترة تشعر بأنها عالقة في نفق مظلم.

كأنني أقف في قعر بئر عميق.. وأنظر إلى الضوء في الخارج، حيث الناس يعيشون حياتهم اليومية وينعمون بالسعادة.. وأنا ما زلت في مكاني أعجز عن تسلق الجدار ولا يمكنني الخروج… هناك.. دائما يقبع هذا الجدار غير المرئي.. وكأن ثقل العالم كله يقبع على صدري ويكتم أنفاسي.. كيف أخرج من هذه الظلمة؟” **

أشعر بأن حياتي بأكملها عالقة هناك، في ظلمة مزمنة، وبأن ثقل العالم كله يقبع فوق رأسي وعلى صدري، وأمر على الأيام المتوالية بأنفاس مكتومة وبخوف رهيب من المجهول.

قرأت اليوم عن فكرة أن السعادة إن كانت قليلة مقارنة بالحزن، فالرحمة تكون في الإنتهاء والموت. وهنا عدت للأساس بأن مجهولية الموت قد تكون مرعبة إلى حد يجلعني أو يجعلني بالفعل أخاف وأهاب من هذا الحدث الجلل.

في نهاية المطاف، عاجلاً أو آجلا، سأموت، وسأموت وحدي. أعرف ذلك.

برميل 3: إلى متى يستهلكنا العالم؟

84914873_189183005624472_5357695909025021952_o
مشمش

(1)

البارحة، طوال اليوم، لم أكن أشعر أنني متزنًا أو على ما يرام جسدًيا، لا يتخطى نومي حاجز الـ 6 ساعات أو أقل لقرابة شهرين إلا في تلك الأيام التي يستغيث فيها جسدي معلنًا رغبته في أخذ قسط أكبر من النوم. البارحة وبعد صلاة العشاء قررت أن أنام مبكرًا، واستيقظت قبل الفجر بنصف ساعة، أكثر نشاطًا ورغبة في استئناف حياتي.

(2)

انقطعت عن فيسبوك في الثلاثين يومًا الأخيرة، وجعلني هذا أكثر انتاجًا وانسجامًا مع نفسي، وسأكرر هذا كل شهر. للأسف الكبير لا يمكنني حذف الحساب بالكامل رغم أن فعل ذلك يغريني جدًا، ولكنني بحاجة إليه للبحث عن وظائف، أو للأستفسار عن أشياء تخص عملي، وأخرى لها علاقة بالقطط بدلًا من الذهاب لطبيب في كل صغيرة وكبيرة. وبالمناسبة، أعجبني التصميم الجديد المعروض الآن في فيسبوك.

(3)

اليوم هو يوم الجمعة، وهذا قد يكون مؤخرًا من أفضل الأيام التي أمر عليها كل أسبوع وأنتظرها بشغف، فهو يوم راحتي من كل شيء، من النظر إلى الشاشة السوداء المكتظة  بمئات الأسطر من أكود CSS و JavaScript، راحتي من ضرب نفسي كل يوم حتى لا ألتفت لها كثيرًا، لمطالبها ورغباتها، حتى لا ألتفت إلى هراءات المشاعر وحاجاتي النفسية، ويبدو أنني أكاد أوشك على الإنفجار حتى تأتيني رحمة الله في يوم الجمعة لتنقذني من هذا العالم الإستهلاكي الرهيب. أنتظر هذا اليوم أيضًا لأنني أشاهد فيه أحب الأفلام إلى قلبي “The Shawshank Redemption”، أفكر في أحداثه وشخصياته طوال أيام الأسبوع، أفكر في بروكس، و ريد و آندي، وأعيد مشاهدته كل جمعة بلا ملل أو كلل. اتمنى أن أكتب شيئًا عنه يومًا ما.

(4)

أكتب بالأنجليزية كل يوم عما قد قمت بتعلمه، أفعل هذا في نهاية اليوم، وأغلب الأيام تكون نهايتها ثقيلة وأكون مرهقًا وبحالة ذهنية يرثى لها، ولا أظن أنه يمكن تقديم الكتابة لبداية اليوم لأنني لا أقسم يومي بناءًا على المهام وأنما بعدد مفتوح من الجلسات، وقد ينتهي اليوم دون الأنتهاء الكامل من المهمة وأعمل على ما تبقى منها في اليوم التالي. هل جرب أحدكم الإلتزام بفعل شيء يوميًا في نهاية اليوم؟ قبل النوم مثلًا؟ كيف تلتزم به كل يوم؟ وكيف تتغلب على حالة التعب الجسدي والإرهاق الذهني التي ذكرتها، فقط لمدة لا تزيد عن 20 دقيقة لأتمكن من سرد يومي فيما لا يزيد عن ثلاثة أسطر؟

الوقت يمر.. مرة أخرى؟!

“ما الذي كنت تنتظره؟ إن الزمن يمضي.”
― مئة عام من العزلة، جابرييل جارسيا ماركيز

flat550x550075f.u3

في تلك المرات التي أظن فيها أنني أمسكت بالوقت، يُخرج ليّ الوقت لسانه بأنه من سبقني، وسيسبقني دائمًا. لماذا يمر الزمن بتلك السرعة المريبة؟! ولما يضع بعض الإستثناءات في حالات أخرى، كأوقات الإنتظار التي لا تمر بالساهل، أو تلك الأوقات التي يصاحبنا فيها الخوف ويلازمنا القلق من شيء ما، فتمر الليلة الواحدة كأنها السنة، والله وحده يعلم كيف تمر! أهذه آية من آيات الله لنتفكر فيها؟ لنتيقن بأن لا شيء يدوم غير وجهه الكريم؟ بأن الزمن في الحقيقة لا يمر كما قالت هديل الحضيف رحمها الله، وإنما نحن من نمر عليه، نأتي ونذهب، نفعل ونمحو، نضحك ونبكي، نكبر ونشيخ! لا أعلم يقينًا ما هو الوقت، وبحق، لا أعلم لماذا تشغلني دائمًا الرغبة في فهمه، والظفر بشيء يجعلني أتحكم في خط سيره، وسرعته، وحالاته. ربما قد تكون رغبة دفينة بإيقافه وتعطيله، والسير عليه متحررًا من قيوده، أو متحررًا من قيود نفسي وحريتي، هاربًا من حرية تستعدي تحمل المسئولية وتبعاتها من ألم ومشقة!

 

IMG_20180906_091818

مرت سنة كاملة على شيء فعلته، وأقسم بالله أن الأمر يكاد يكون البارحة من شدة تقارب الشعور بأنني كنت ومازلت هناك. تسعة سنوات مرت على الثورة، وستة أعوام تمر على قرار مغادرة الجامعة، وخمسة أعوام ونصف تمر على بداية عملي في مجال الطهي، وعامين اثنين على تغيير مجال عملي، ثم عودتي إليه منذ أربعة أشهر، ثم أتركه للمرة الثانية منذ شهر. ومرت خمس سنوات على حوارت خيبانة أقحمت نفسي وآخرين معي في دراما مملة وكئيبة استمرت طويلًا.  وعامين على بداية تعلمي للبرمجة، وعامين على زيارتي الأولى لطبيب نفسي، وعامًا ونصف عام على كوباية شاي شربتها في قهوة في مدينة طنطا لم أذق مثلها حتى الآن. وأكثر من عشرين عامًا تحول بيني وبين يدي أمي الباردة في طريقنا من حضانة الأطفال إلى البيت. 

 

لماذا أشعر بالشفقة على نفسي إذا نظرت للساعة الأخيرة الماضية، أو لصباح هذا اليوم، أو لوقت خروجي من صلاة الفجر، لماذا دائمًا أشعر بأنني هناك في الماضي، وبأن نفسي تقف هناك وتنتظر، ما الذي تنتظره؟ لا أدري بحق، وكأنها ترفض فكرة مرور الوقت فتتوقف هيّ عن ملاحقته ويستمر هو في المُضي، ترفض الخسارة والتخلي، ترفض أن يفوتها شيء، وهي قد فاتها أغلب أو كل الأشياء، أظن أنها تكون في أفضل حالاتها هناك، كأنها منطقة راحة لها، كما يسمونها الأعاجم، أو كأنها تقول لي: أنا أقف هنا حيث مرت الأشياء وذهب الناس، ولم تعد هناك سباقات عنيفة بيني وبين الزمن تستدعي الألم. أنا هنا حيث لا شيء بقى وحيث لا أحد يقف، أنا هنا وحدي، حيث يخفت نباح الألم، أقف في الفراغ أحدق في لا شيء، أبكي على عتبة بيت لم يعد لي فيه أحد. أبكي كجندي فقد سريته وصحبته حيث يصبح للأشياء معنى.

الأمر واضح تمامًا؛ أرفض الألم وأرفض التعلم من خلاله، ولكن لا مفر، لا سبيل آخر للمضي بغير المرور على عتبة الألم. عتبة تقبل الخسارة والألم وتحمل المسئولية، والتفاوض للحصول على حلول وسطى وتنازلات للإعانة على الإستمرار في هذه الحياة.

 

روابط:

كيف يكون «الانضباط» أداة أساسية لحل مشكلات الحياة؟ الجزء الثاني: المسؤولية والهروب من الحرية

 

“الزمن لا يمرّ.. الزمن يدوم.. ما يمرُّ هم الناس..”
― هديل الحضيف, غرفة خلفية

“ماذا يعني أن تقف في المنتصف تماماً.. غير آبه لكل ما حولك، لكل ما فيك، لكل البهجة والبكاء اللذين يعيثان بك..
غير أنك تمر بحالة (المؤقت) الذي يعطل أحلامك حتى تتجاوزها أو تتجاوزك! ”
― هديل الحضيف

“لدى ذلك الشئ الذى لا أستطيع تسميته، لكنه يشبه ما في جندى مهزوم، يعود وحيداً إلي بيت لم يعد له فيه أحد..”
― هديل الحضيف, غرفة خلفية

برميل – 2

السبت، 22 فبراير

اليوم شعرت بالرغبة في القتال، لا أقصد بالقتال المشاجرة، وإنما الرغبة في المضي قدمًا ، الرغبة في أخذ حقي من الحياة كما قدُّر لي. ربما بصوت عال وأجشّ يخرج منّي في طريقه إلى سواق الميكروباص، أو باعتدال نظراتي وحركات جسدي في الشارع، أو صوت يأتي من الداخل على استحياء يقول لي: تغلب على حزنك، انتصر على اكتئابك اللعين، لا تستسلم.

تراودني فكرة أنني منذ 10 سنوات فقط، لم أكن هذا الشخص الذي أنا عليه الآن، المظهر الخارجي اختلف  بالتأكيد، كملامح الوجه، الطول الملحوظ، والضخامة المصاحبة للطول كذلك، ولكن الفرق الذي أنتبه إليه، أنني كنت أحمق وأبله، قليلًا أوغالبًا ما كنت أفكر بانني حزين،  ربما بعض الغيرة من نظرائي، لكن ما أقصده هو أن الشعور بالحزن الخام لم يكن يعرف لي طريقًا وقتئذ، أقصى أمانيّ حينها هو امتلاك الشجاعة لأخبر فتاة بأنني أعجبت بها، وللأسف لم يحدث.

تعتلي وجهي نظرة لا تنم عن شيء بشكل واضح سوى البلاهة، لم يكن على بالي شيئًا مما قد يحلم به مراهق في سني؛ كدخول كلية ما، أو الرغبة في أي شيء آخر قد يحلم به غيري. اللاشيء كنت هناك، ولكن مشدوهًا للعالم والحياة بأقل القليل تائهًا في تلك الدوامة التي لا تتوقف عن الدوران.  أما اليوم فبتًَ أبحث في كل مكان عن الاستقرار النفسي، والذي لم أجده قبلًا في أي مكان، بتّ اليوم أحمل حزني مكومًا على ظهري يثبط عزيمتي ويثقل خطواتي، بتّ اليوم وحيدًا أكثر من أي وقت مضى، إذ كنت وحيدًا على طول الطريق ولكن لم يتشكل لي المعنى بشموليته إلا في أثناء النضج، النمو، التجارب السيئة، الخسارات المتتالية، والضربة تلو الأخرى وألمًا يداوي جرح ماض وخيبات أمل كثيرة ومتتالية في نفسي وفي اهلي وفي الحياة، معنى واضح ومؤلم بصورة مريبة؛ أنت وحدك، وكنت وحدك، وستكون وحدك.

الآن، أرى أنني لم أختلف كثيرًا عما كنت عليه سلفًا، تبقى فقط قطعة واحدة من التيه يذوبها الحزن على وجهي لأتلاشى تمامًا، إن لم يأت غريبًا ويستبدل مكانها قيمة، أو رغبة في الحياة مجددًا.

برميل – 1

الجمعة الأولى: 21 فبراير

لا شيء حاضر بذهني. لا يمكنني الظفر بشيء، بفكرة، بأمل، أو شبه خاطرة. لست ملهمًا كي أكتب لنفسي أو لأي أحد. هل عليّ أن أكون ملمًا بشيء ما حتى أكتب عنه؟ ألا يمكنني فقط الحديث عن نفسي؟ عن أقل القليل الذي أعرفه عنّي، كأنني أرغب في الكتابة أحيانًا  كثيرة لكنني لا أقدر، وأقول لا أقدر لأنني بالفعل أحاول ولا أستطيع. حتى هذا الفعل البسيط يا الله؛ كأن أقول: أشعر الآن بكذا وكذا، وأرغب في كذا وأود كذا، وحدث هذا وسيحدث ذاك وفعلت تلك.

يا الله، لو أنني فقط أتمنى شيئًا واحدًا في هذه الدنيا، سيكون امتلاك القدرة على إخراج ما بداخلي على ورقة.

2-2-2020

أشعر الآن بالحاجة إلى مزيد من الإنعزال، وأقول لنفسي: أكثر مما فعلت وتفعل؟ العالم يستمر في التحرك، ولن يتوقف. طريق الخير مستمر إلى أن تقوم الساعة، وكذلك طريق الشر. لن يتوقف الزمن لي. ولن يرتاح بالي ولن تستقر نفسي ولا تهدأ روحي.

الأمور تستمر في التغير، سواء كان هذا التغير بطيئًا أو سريعًا، ملحوظًا او متخفيًا. أشعر الآن بالخوف الشديد. وأكثر من شعوري بالخوف هو شعوري بالوحدة، قد يكون الأخير هو المسبب للأول.

في هذه اللحظة، ينام إلى خلفي القط الذي وجدته صغيرًا ببقعة مظلمة في أحد شوارع قريتي منذ خمسة أشهر. لا أعتقد أن لديه نفس شعوري الذي أحاول جاهدَا أن أصفه لك الآن. هو يشعر عمومًا بكل تأكيد، وما أحاول قوله هو أنه ربما قد وجد سقفًا اطمأن أسفله واتخذه ملجئًا وملاذًا لروحه. أما أنا ففي كل خطوة أخطوها تجاه العالم بحثًا عن ملاذ آمن لي، أجد جدار روحي يتهاوى أكثر.

رغبتي في الإنعزال هذه المرة كأنها رغبة في الإنطفاء من الدنيا.

بيت هادئ يذكر فيه إسم الله، وأهل يرونني وأراهم.

اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة.