نفق مظلم وطويل

images

سأحاول كتابة أي شيء لأنني أشعر بالضيق والإختناق. العشرون يومًا الأخيرة مرت ولم أشعر بمرورها ولم أشعر بنفسي خلالها. لا أعرف ماذا أفعل وإلى أي شيء أمضي. أفكر في الموت وقلبي مقبوض وخائف منه ومما وراءه، خائف من المجهول وإلى أي مصير سأكون عليه؟ بحق أنا لست مستعدًا لملاقاة الله، ولا أعرف ما أفعل حيال ذلك. منذ لحظات دعوت أن ينجني الله من الغم كما نجى رسوله يونس عليه السلام. ما زلت أدعى ولكن لا يتغير حالى. ربما ظاهري يتغير، أتحسن بقدر ما، لكن باطني كما هو، نفس الضيق ونفس الهم ونفس الحزن القائم داخلي بلا أي سبب أو مبرر. لم أرزق بأي صديق، ويبدو أن  الحزن مستمتع بصحبته المفروضة غصبًا عليّ. أعرف أنه إن مكنني الله مما أريده، سيظل الحزن والخواء الداخلي هو سيد الموقف.

 

لا أريد العودة لأخذ أدوية الإكتئاب لأنني مللت منها وكنت آخذها بيقين أن لا شيء سيتغير وكنت أوهم نفسي بأن شيئًا ما يتغير. ربما لا يوجد خلل عضوي بي، وأن المشكلة تكمن بالكامل في طريقة تفكيري. في طفولتي لم أكن على هذا الحال، ولا أعرف أو أتذكر متى تلبستني تلك التعاسة قبيحة الوجه والرائحة. لا أريد الذهاب لطبيب نفسي للمرة الثالثة لأنني أعرف أنني سأنتهى إلى نفس نتيجة المرة الأولى والثانية. مواجهتي ليست مع الاكتئاب، بل مع الوحدة المتسمرة داخلي.

كتبت منذ أيام:

“قصتي مع كل طبيب نفسي زرته لا تدوم للأسف، وبالتالي تظل أغلب مشكلاتي النفسية قائمة. في هذه الأيام أشعر بحالة مزاجية سيئة، أقرب للإكتئاب، ولا أقول أنها اكتئاب لأنني منشغل عن نفسي بنسبة جيدة، ولأدخل في حالة اكتئاب شديدة تجعلني لا أرغب في فعل أي شيء والبدء بالنحيب العام لأجعل دوران العالم يتوقف من حولي، فهذا يحتاج إلى عامل مساعد، وأنا في هذه الأثناء على شفا حفرة هذا العامل. ألا وهو الحجر الصحي، أو الحبس في المنزل!

ولكن بشكل ما، هذا الإنشغال الذي أتحدث عنه يبعث في نفسي نوعًا آخر من الكآبة، قد لا اعرف لها تفسيرًا. أتمادي في الإستماع لما تمليه علّي نفسي من أفكار وترهات، وهذا ما يزيد الطين بللًا، ويبدو أن عليّ المحاولة مرة أخرى في طريقة لجعلي أتوقف عن الإسترسال في التفكير فيما أشعر به في أوقات كثيرة. إن استطعت أن أتوقف عن التفكير ومحاولة الإندماج في العمل والتعلم، سيكون لهذا أثر جيدًا في نواحي عديدة.  يجب أن أخُرس أفكاري وأعمل، لست أمتلك طموحًا، ولست أسعى وراء شغف، ولست أنتظر شيئًا في الدنيا، ولست بحاجة لنتيجة عملي، عليّ أن أعمل فقط وأنتظر، عليّ أن أخرج من هذا النفق المظلم.”

ومنذ عام أو أكثر قرأت هذه الجملة في مقال يتحدث عن اكتئاب ما بعد الولادة، وأجد أكثر من مقال يتحدث عن هذا الأمر ينقل دائمًا مشاعر صاحبته  بأنها في تلك الفترة تشعر بأنها عالقة في نفق مظلم.

كأنني أقف في قعر بئر عميق.. وأنظر إلى الضوء في الخارج، حيث الناس يعيشون حياتهم اليومية وينعمون بالسعادة.. وأنا ما زلت في مكاني أعجز عن تسلق الجدار ولا يمكنني الخروج… هناك.. دائما يقبع هذا الجدار غير المرئي.. وكأن ثقل العالم كله يقبع على صدري ويكتم أنفاسي.. كيف أخرج من هذه الظلمة؟” **

أشعر بأن حياتي بأكملها عالقة هناك، في ظلمة مزمنة، وبأن ثقل العالم كله يقبع فوق رأسي وعلى صدري، وأمر على الأيام المتوالية بأنفاس مكتومة وبخوف رهيب من المجهول.

قرأت اليوم عن فكرة أن السعادة إن كانت قليلة مقارنة بالحزن، فالرحمة تكون في الإنتهاء والموت. وهنا عدت للأساس بأن مجهولية الموت قد تكون مرعبة إلى حد يجلعني أو يجعلني بالفعل أخاف وأهاب من هذا الحدث الجلل.

في نهاية المطاف، عاجلاً أو آجلا، سأموت، وسأموت وحدي. أعرف ذلك.

18 فكرة على ”نفق مظلم وطويل

  1. أحييك على قدرتك على الكتابة في موضوع يعاني منه معظمنا ولا يستطيع التحدث فيه مثلي خوفا من ان يظن بي الآخرين أي ظنون سيئة.
    انا شخصية مزاجية وكل شهرين الى ثلاثة أعاني من اكتئاب وسوداوية، وانكد على نفسي وعلى عائلتي، لا أعرف ما الذي يجعلهم يتحملوني حتى الآن :D، فقدت الايمان بالكثير من الأشياء، لكن ليس لدي الجرأة للتحدث عن ما يزعجني ويضايقني على مدونتي، لأنني من النوع الذي أحب وأكره نفس الأشياء بنفس الوقت، المهم أشكرك على نشر هذه التدوينة شجعتني لاشارك بعض من نفسي على مدونتي.
    لم أذهب لطبيب نفسي في حياتي، لأنني ارى انه لن يستطيع فعل اي شيء يذكر.
    في احد الأسئلة على كورا، حلل طبيب نفسي اجابتي واكتشفت ان التحليل يقود الى شخصيتي المزاجية.

    Liked by 1 person

    • في أوضاع أخرى غير هذه كنت سأنصح نفسي بضرورة الذهاب لمعالج نفسي، وكنت سأصرف آخر جنيه في جيبي على ذلك، حتى أشهد على نفسي بأنها أخذت بالأسباب. أعتقد أنني احتاج أكثر لجلسات العلاج النفسي أكثر من المواد الكيميائية ورسم المخ ليتأكد الطبيب أن الخلل بالفعل ليس عضوي دائمًا. حتى هذا لا أستطيع أن أقرره وحدي، وإنما قرار الطبيب.

      على كل هناك ترشيحات جيدة اونلاين كموقع فيزيتا، استخدمته مرتين. يجعل الأمر سهلًا كما حدث معي.
      وأيضًا هناك كثير ممن ذهب لطبيب نفسي وأخبر من حوله أن حاله تحسن للأفضل.
      يمكنك أن تزوري أقرب طبيب أو معالج نفسي بدون علم أي أحد. وجربي!

      أنا لا أنصح تمامًا بعدم الذهاب لطبيب نفسي أو معالج نفسي. وإنما الأمر يخص حالتي فقط. لاعتقادي بأني لست بحاجة لطبيب، وإنما بحاجة لهارون.. وودت لو أن هارون هذا كان في أهلي!

      إعجاب

  2. آسفة لأجلك، وأسأل الله أن يلطف بك وينتشلك وينقذك كما يفعل ذلك دائمًا معنا، كعبادٍ تائهين لا يعرفون غير الضياع طريقًا، ولكنهم يتمسكون بحبل الله، لأنه نجاتهم الوحيدة.

    Liked by 1 person

  3. أتمنى لك السعادة وراحة البال آمين
    حاول أن تغير من عاداتك وأفعل أشياء تُشعرك بالسعادة , أستمع للموسيقى ,شاهد أفلام , قراءة كتب تحبها ,أكل طعام تحبه , لعب بعض الألعاب يمكن أن تُشعرك بالسعادة , لا تُفكر فى ما يحزنك أو يقلقك وفكر فى الأشياء التى تحبها وتُسعدك وطمنى عليك يا صديقى

    Liked by 1 person

  4. قصتك مع الاكتئاب و الاطباء النفسيين و كذا مع التفكير الزائد الذي ينتج عنه انعدام الشغف و الطموح.. كل ذلك كان قصتي التي ماتزال تتكرر من حين لآخر، كأن فعل العيش وحده يبدو غريبا يقذفني في متاهات و ظلمات لا افهمهما و لا يفهمها اي طبيب نفسي و اي احد. و لكن مع الوقت ادركت ان المقاومة غير مجدية و ان محاولة التغلب على المزاج السيء و السوداوي هو الذي يزيده سوءا ثم قرأت في مكان لا اذكره ان ما ينقصنا هو فعل “الانسياب”.. ان ننساب مع كل شيء، ان نستسلم لمشاعرنا السيئة بل و نذكيها احيانا.. بدت الفكرة غريبة في البدأ لكنني اخترت تجربة ذلك فصرت اذكي اكتئابي باغان حزينة و بالبكاء و بالانخراط في السلبية حتى ينضب ذلك البئر العميق من الظلام. و قد تفاجأت حقا حين وجدتني اعود الى نفسي بعد يوم او يومين فقط بعد ان كان فترة اكتئابي لا تقل عن الاسبوعين. اتمنى حقا ان تكون تجربتي مفيدة جدا لك صديقي كما انصحك بشدة بممارسة اليوغا و التنفس العميق خاصة قبيل النوم و أرجو ان تتحسن احوالنا جميعا.

    Liked by 1 person

    • سارة، شكرًا اولا لذكر تجربتك.
      ثانيا، هذا ما يحدث بالفعل، قد تكون فترة الاكتئاب بضع ساعات او يوم او اسبوع او اكثر، لكني لا أخرج من دائرته وتظل تتكرر ويزداد السوء تراكما وتتأثر جوانب اخرى ويسوء بعضها بشكل مزري.
      ولا اعرف لماذا أتحسس من ذكر كلمة الاكتئاب هنا، هل يمكن وصف شعور الضيق والقلق الدائم بالاكتئاب؟

      ليت الامر ينتهي بمجرد مرور يوم او اثنين ثم أعود إلي ممارسة الحياة الطبيعية لأي بني آدم طبيعي وأنخرط فيها. تظل الامور والاسباب الاساسية لذلك قائمة لكن الفرف وقتها أنا ظاهري هو من يهدأ ويتبدل، ولكن من الداخل ما يزال الوحش موجودا لكنه يأخذ قيلولة صغيرة فقط.

      هذا ما أردت ان اعنيه وقتما كتبت عن شعوري بأنني عالق في نفق مظلم لا ينتهي.

      انا عالق منذ سنوات، أتكلم جديا، يمكنني حتى تذكر متي بدأت ملاحظة شدة اثره في نفسي. وبتعاقب الايام امتد اثره الي رغبتي الدائمة في عدم فعل أي شيء وان فعلته جبرا لا اشعر به او بالغاية من فعله رغم ايماني بعدم احتياجي لفهم الغاية من امور عديدة اقوم بها. امتد اثر ذلك حتي الي رغبتي الدائمة في الانزواء على نفسي. عدم قدرتي حتي على الارتباط بشخص رغم احتياجي الشديد للاستقرار النفسي العام جراء فعل ذلك. حتى انه امتد الي عدم الشعور والاستمتاع وتقدير نعم الله القائمة والكاملة بمثالية فذة، مع ذلك لا اولى اهتمامي الي الاستمتاع بها وبوفرتها.

      عندما تحدثت عن الموت او عندما اتحدث عنه في اي وقت لا أقصد به رغبتي في الانتحار، وانما اذكره خوفا من ان يحدث لي بأي شكل لانه حدث جلل ومهيب، واكثر خوفي من أن يحدث خصيصا كخاتمة لتتويج ما أنا فيه الان.
      لا أفكر في الانتحار، لكنني اخشى من ازدياد وتراكم السوء لأقع فريسة أمامه.

      Liked by 1 person

      • انني افهمك جيدا صديقي فكل ما تصفه عن حالك و حتى ما عجزت عن وصفه (باعتبار ان اللغة تبدو شحيحة امام تجاربنا النفسية) قد مررت به و قد بدأ ايضا منذ سنوات و لم ازل عالقة فيه لهذا الحين.. و مثلك لا افضل وصف هذه الحالة من القلق الدائم و المزاج المتقلب بالاكتئاب لكن آثارها حقا تبدو شبيهة بالاكتئاب، من غياب المعنى و الرغبة في الصيرورة الى لا شيء.. و لكم اشعر بالاسف حين اخبرك ان الوصفة السحرية للعلاج منها غير موجودة ابدا، و من ضوء تجربتي استطيع القول ان العلاج النفسي -خاصة الذاتي- يأتي متقطعا و بطيئا جدا و كل كل ما علينا فعله هو محاولة ايجاد وسائل لاسترجاع حالة الطمئنينة الداخلية (كالتعبير و اليوغا مثلا) و هي تختلف من شخص لآخر حتما.. اما الخوف (من الموت او غيره) فسيكون التغلب عليه غير مستعص ابدا اذا ما آمنّا بأنه لا حاجة لنا به و أن الأولى بنا ان نعيش اللحظة الانية و تجاهل كل ما عداها.
        لا اخفيك انك ستسقط مرة اخرى في هذا الشرك المقيت لكنك ستلاحظ ان كل مرة ستكون أخف من سابقتها و ان النفق قد بدأ يحول أقل ظلاما و لا بأس ان تتقدم ببطئ شديد فكل آت قريب و لا داعي للعجلة. صديقي اني احدثك عن تجربة شخصية حقيقية كنت خلالها فاقدة حتى القدرة على التعبير عما بداخلي و لكنني شرعت في التحسن منذ ما يزيد عن عام من العلاج الذاتي.. و سأكون سعيدة بالتواصل معك اذا ما احتجت الى اية مساعدة.

        Liked by 1 person

  5. لا بُسعدني أنك تمرُّ بهذه الحالة ولكنني سعيدة لأنك تكتب عنها، أنت لا تحتاج نُصحًا ولا تشخيصُا، أنت تحتاج لمن يتحدث معك إذا رغبت،
    أضفني على انستغرام واعلم أنني أسرع خلق الله في وضع البلوك دون أي أسف وأي مبررات أو إغلاق الحساب كُليًا الأمر لا علاقة له بأي شيء أكثر من علاقته بأنني أسوأ شخص يحافظ على علاقاته
    https://www.instagram.com/ruba_plays/

    Liked by 2 people

  6. آسف لك يا صديقي، وما تمرّ به ليس هينًا، أي كلام سوف أكتبه أو يكتبه غير من التعاطف أو الكلام اللطيف لن يجدي معك مررت بفترات صعبة مثلك تقريبًا، جميل أن تكتب ولا تتوقف رجاءً عن الكتابة، ربما هي الأمل الوحيد في الخروج من هذا النفق المظلم، سوف اتشرّف بأن نتحدّث في أي وقت على بريدي وهو حسابي على Zoom أيضًا، ولا تقلق لست من الأشخاص الذين يطلقون الأحكام.
    كن بخير من أجل نفسك ومن أجل من يحبونك.

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s