الوقت يمر.. مرة أخرى؟!

“ما الذي كنت تنتظره؟ إن الزمن يمضي.”
― مئة عام من العزلة، جابرييل جارسيا ماركيز

flat550x550075f.u3

في تلك المرات التي أظن فيها أنني أمسكت بالوقت، يُخرج ليّ الوقت لسانه بأنه من سبقني، وسيسبقني دائمًا. لماذا يمر الزمن بتلك السرعة المريبة؟! ولما يضع بعض الإستثناءات في حالات أخرى، كأوقات الإنتظار التي لا تمر بالساهل، أو تلك الأوقات التي يصاحبنا فيها الخوف ويلازمنا القلق من شيء ما، فتمر الليلة الواحدة كأنها السنة، والله وحده يعلم كيف تمر! أهذه آية من آيات الله لنتفكر فيها؟ لنتيقن بأن لا شيء يدوم غير وجهه الكريم؟ بأن الزمن في الحقيقة لا يمر كما قالت هديل الحضيف رحمها الله، وإنما نحن من نمر عليه، نأتي ونذهب، نفعل ونمحو، نضحك ونبكي، نكبر ونشيخ! لا أعلم يقينًا ما هو الوقت، وبحق، لا أعلم لماذا تشغلني دائمًا الرغبة في فهمه، والظفر بشيء يجعلني أتحكم في خط سيره، وسرعته، وحالاته. ربما قد تكون رغبة دفينة بإيقافه وتعطيله، والسير عليه متحررًا من قيوده، أو متحررًا من قيود نفسي وحريتي، هاربًا من حرية تستعدي تحمل المسئولية وتبعاتها من ألم ومشقة!

 

IMG_20180906_091818

مرت سنة كاملة على شيء فعلته، وأقسم بالله أن الأمر يكاد يكون البارحة من شدة تقارب الشعور بأنني كنت ومازلت هناك. تسعة سنوات مرت على الثورة، وستة أعوام تمر على قرار مغادرة الجامعة، وخمسة أعوام ونصف تمر على بداية عملي في مجال الطهي، وعامين اثنين على تغيير مجال عملي، ثم عودتي إليه منذ أربعة أشهر، ثم أتركه للمرة الثانية منذ شهر. ومرت خمس سنوات على حوارت خيبانة أقحمت نفسي وآخرين معي في دراما مملة وكئيبة استمرت طويلًا.  وعامين على بداية تعلمي للبرمجة، وعامين على زيارتي الأولى لطبيب نفسي، وعامًا ونصف عام على كوباية شاي شربتها في قهوة في مدينة طنطا لم أذق مثلها حتى الآن. وأكثر من عشرين عامًا تحول بيني وبين يدي أمي الباردة في طريقنا من حضانة الأطفال إلى البيت. 

 

لماذا أشعر بالشفقة على نفسي إذا نظرت للساعة الأخيرة الماضية، أو لصباح هذا اليوم، أو لوقت خروجي من صلاة الفجر، لماذا دائمًا أشعر بأنني هناك في الماضي، وبأن نفسي تقف هناك وتنتظر، ما الذي تنتظره؟ لا أدري بحق، وكأنها ترفض فكرة مرور الوقت فتتوقف هيّ عن ملاحقته ويستمر هو في المُضي، ترفض الخسارة والتخلي، ترفض أن يفوتها شيء، وهي قد فاتها أغلب أو كل الأشياء، أظن أنها تكون في أفضل حالاتها هناك، كأنها منطقة راحة لها، كما يسمونها الأعاجم، أو كأنها تقول لي: أنا أقف هنا حيث مرت الأشياء وذهب الناس، ولم تعد هناك سباقات عنيفة بيني وبين الزمن تستدعي الألم. أنا هنا حيث لا شيء بقى وحيث لا أحد يقف، أنا هنا وحدي، حيث يخفت نباح الألم، أقف في الفراغ أحدق في لا شيء، أبكي على عتبة بيت لم يعد لي فيه أحد. أبكي كجندي فقد سريته وصحبته حيث يصبح للأشياء معنى.

الأمر واضح تمامًا؛ أرفض الألم وأرفض التعلم من خلاله، ولكن لا مفر، لا سبيل آخر للمضي بغير المرور على عتبة الألم. عتبة تقبل الخسارة والألم وتحمل المسئولية، والتفاوض للحصول على حلول وسطى وتنازلات للإعانة على الإستمرار في هذه الحياة.

 

روابط:

كيف يكون «الانضباط» أداة أساسية لحل مشكلات الحياة؟ الجزء الثاني: المسؤولية والهروب من الحرية

 

“الزمن لا يمرّ.. الزمن يدوم.. ما يمرُّ هم الناس..”
― هديل الحضيف, غرفة خلفية

“ماذا يعني أن تقف في المنتصف تماماً.. غير آبه لكل ما حولك، لكل ما فيك، لكل البهجة والبكاء اللذين يعيثان بك..
غير أنك تمر بحالة (المؤقت) الذي يعطل أحلامك حتى تتجاوزها أو تتجاوزك! ”
― هديل الحضيف

“لدى ذلك الشئ الذى لا أستطيع تسميته، لكنه يشبه ما في جندى مهزوم، يعود وحيداً إلي بيت لم يعد له فيه أحد..”
― هديل الحضيف, غرفة خلفية

7 أفكار على ”الوقت يمر.. مرة أخرى؟!

  1. تدوينة جعلتني أتساءل هل كان الوقت مجرد وهم اخترعه البشر لينظم من خلاله حياته؟
    هل نحن هو الوقت؟ يا إلهي.. كم نكون أكثر هشاشة أمام تأمل ما هو موجود وغير موجود.

    Liked by 1 person

    • وكذلك تعقيبك هذا جعلني أفكر. عندنا أتأمل أطوار خلق الله للإنسان في القرآن فأجد أن الله لم يذكر الحياة الدنيا كمرحلة صريحة، فقال:
      [ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)]
      لم يذكر الله وجودنا في الحياة الدنيا بعد طور التكوين في الأرحام، قلل الله من قدر الدنيا فذكر مراحل وجودنا في ملكوته عز وجل ابتداءًا من خلقنا داخل أرحام أمهاتنا ثم الموت ثم البعث. وكأن رحلتنا تكمن بالكامل هنا ولا شيء آخر، الخلق فالموت فالبعث. أحب أن أرى في هذا أيضًا محوًا لمعنى الوقت، هذا قد يفسر ليّ الكثير من التساؤلات، فالشعور الدائم بالرغبة في سباق الوقت، سيظل ملازمًا، ولن تتحقق رغبتنا في الانتصار عليه أو الإمساك به، لأنه في الحقيقة لا يوجد ما يسمى بالوقت وكل ما ندركه عنه هو أوهامًا توهمناها لأجل سيطرتنا على الزمن والحياة، إننا الآن ما زلنا في طور الخلق، والمحطة التالية هي الموت، ومن بعدها البعث. ولا توجد هنالك مساحات يتسلل إليها الوقت ليشكل معنى، إذن أن لا معنى له من الأساس!
      فربما يكون الوقت بالفعل اختراع بشري، والقرآن يفرق دومًا بين مقدار الزمن الذي نعدّه به في الدنيا ومقداره عنده عز وجل.

      سعدت بتعليقاتك ووجودك هنا جدًا.
      شكرًا كبيرة

      إعجاب

      • لم يخطر في بالي قط، أن ألحظ انعدام ذكر الحياة الدنيا في ترتيبه عز وجلّ، كأنها بالفعل لم تكن. ربما يكون الوقت هو محاولة لخلق الإنسان ذاته، فيسعى إلى بناء ذاتٍ كما يود، والتي لن يستطيع خلقها بطبيعة الحال.
        وأنا كذلك سعيدة يا أحمد

        Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s