قراية 35 – صلاح حيثاني

رجل يقتعد المصطبة التي تواجه أبرشية فوربورج
في عقده الثامن كما يبدو، ترك شعره يتهدّل خصلا رمادية على جبينه الذي ضرّسته السنوات
ألقيت تحية مقتضبة وجلستُ إلى جواره على المصطبة
تركت عينيّ تتعقّبان رواد مقهى يوليوس بدأب، كنت أحدّق فيهم كما لو انني أحفر تلك الهالة الغامضة التي يطلق عليها البعض المجال المغناطيسي
حفرتها ودخلت حيواتهم وتعرفتُ على مصائرهم وعلاقاتهم
الرجل الثمانينيّ كان لا يزال يقلّب سيجارته ، يضغط عليها حتى تترك أصابعه أثرا لأخدود عميق عليها، ثم يسحب نفسا ويعيد الكرّة في مكان قريب من الجذوة.
لم يكن يتطلّع في مكان واحد، إنه يحدّق في نقاط لا مرئية في شارع هيرن سترات
أخرجت كتاب صورة الفنان في شبابه لجيمس جويس وصرتُ أتصفحه بسرعة ولا مبالاة وبتذمّر أحيانا من الترجمة
قال الرجل : لقد كانت حياة جويس وأعماله تمرينا يوميا شاقا لما سيكون عليه عندما يبلغ الستين. لقد انتظر أن يبلغ الستين بإلحاح ورعب، ويعرف المقربون منه أنه احتفظ دائما في جيب سترته التي لم يغيرها منذ ربيع عام 1916 عندما نشر روايته (صورة الفنان) في نيويورك بسكين صغير لتمزيق الروزنامات أينما وجدها.
كان لا يحتمل أن يتكرر السبت أو الأحد وباقي ايام الأسبوع أكثر من مرة واحدة في الشهر. وهو الأمر الذي لن يحدث أبدا مما جعل السكين تستيقظ في يده كلما وجد روزنامة أمامه، يمكننا الآن تلخيص دوافعه تلك بحاجته إلى تسريع الزمن بأقصى طاقة ممكنة حتى يبلغ الستين.
وقف الرجل بغتة، وصارت خصلاته الرمادية أكثر سطوعا وتوهّجا، ثم قال باقتضاب: ولكنه سقط في التاسعة والخمسين.

 

قرايات – صلاح حيثاني

برميل 3: إلى متى يستهلكنا العالم؟

84914873_189183005624472_5357695909025021952_o
مشمش

(1)

البارحة، طوال اليوم، لم أكن أشعر أنني متزنًا أو على ما يرام جسدًيا، لا يتخطى نومي حاجز الـ 6 ساعات أو أقل لقرابة شهرين إلا في تلك الأيام التي يستغيث فيها جسدي معلنًا رغبته في أخذ قسط أكبر من النوم. البارحة وبعد صلاة العشاء قررت أن أنام مبكرًا، واستيقظت قبل الفجر بنصف ساعة، أكثر نشاطًا ورغبة في استئناف حياتي.

(2)

انقطعت عن فيسبوك في الثلاثين يومًا الأخيرة، وجعلني هذا أكثر انتاجًا وانسجامًا مع نفسي، وسأكرر هذا كل شهر. للأسف الكبير لا يمكنني حذف الحساب بالكامل رغم أن فعل ذلك يغريني جدًا، ولكنني بحاجة إليه للبحث عن وظائف، أو للأستفسار عن أشياء تخص عملي، وأخرى لها علاقة بالقطط بدلًا من الذهاب لطبيب في كل صغيرة وكبيرة. وبالمناسبة، أعجبني التصميم الجديد المعروض الآن في فيسبوك.

(3)

اليوم هو يوم الجمعة، وهذا قد يكون مؤخرًا من أفضل الأيام التي أمر عليها كل أسبوع وأنتظرها بشغف، فهو يوم راحتي من كل شيء، من النظر إلى الشاشة السوداء المكتظة  بمئات الأسطر من أكود CSS و JavaScript، راحتي من ضرب نفسي كل يوم حتى لا ألتفت لها كثيرًا، لمطالبها ورغباتها، حتى لا ألتفت إلى هراءات المشاعر وحاجاتي النفسية، ويبدو أنني أكاد أوشك على الإنفجار حتى تأتيني رحمة الله في يوم الجمعة لتنقذني من هذا العالم الإستهلاكي الرهيب. أنتظر هذا اليوم أيضًا لأنني أشاهد فيه أحب الأفلام إلى قلبي “The Shawshank Redemption”، أفكر في أحداثه وشخصياته طوال أيام الأسبوع، أفكر في بروكس، و ريد و آندي، وأعيد مشاهدته كل جمعة بلا ملل أو كلل. اتمنى أن أكتب شيئًا عنه يومًا ما.

(4)

أكتب بالأنجليزية كل يوم عما قد قمت بتعلمه، أفعل هذا في نهاية اليوم، وأغلب الأيام تكون نهايتها ثقيلة وأكون مرهقًا وبحالة ذهنية يرثى لها، ولا أظن أنه يمكن تقديم الكتابة لبداية اليوم لأنني لا أقسم يومي بناءًا على المهام وأنما بعدد مفتوح من الجلسات، وقد ينتهي اليوم دون الأنتهاء الكامل من المهمة وأعمل على ما تبقى منها في اليوم التالي. هل جرب أحدكم الإلتزام بفعل شيء يوميًا في نهاية اليوم؟ قبل النوم مثلًا؟ كيف تلتزم به كل يوم؟ وكيف تتغلب على حالة التعب الجسدي والإرهاق الذهني التي ذكرتها، فقط لمدة لا تزيد عن 20 دقيقة لأتمكن من سرد يومي فيما لا يزيد عن ثلاثة أسطر؟

الوقت يمر.. مرة أخرى؟!

“ما الذي كنت تنتظره؟ إن الزمن يمضي.”
― مئة عام من العزلة، جابرييل جارسيا ماركيز

flat550x550075f.u3

في تلك المرات التي أظن فيها أنني أمسكت بالوقت، يُخرج ليّ الوقت لسانه بأنه من سبقني، وسيسبقني دائمًا. لماذا يمر الزمن بتلك السرعة المريبة؟! ولما يضع بعض الإستثناءات في حالات أخرى، كأوقات الإنتظار التي لا تمر بالساهل، أو تلك الأوقات التي يصاحبنا فيها الخوف ويلازمنا القلق من شيء ما، فتمر الليلة الواحدة كأنها السنة، والله وحده يعلم كيف تمر! أهذه آية من آيات الله لنتفكر فيها؟ لنتيقن بأن لا شيء يدوم غير وجهه الكريم؟ بأن الزمن في الحقيقة لا يمر كما قالت هديل الحضيف رحمها الله، وإنما نحن من نمر عليه، نأتي ونذهب، نفعل ونمحو، نضحك ونبكي، نكبر ونشيخ! لا أعلم يقينًا ما هو الوقت، وبحق، لا أعلم لماذا تشغلني دائمًا الرغبة في فهمه، والظفر بشيء يجعلني أتحكم في خط سيره، وسرعته، وحالاته. ربما قد تكون رغبة دفينة بإيقافه وتعطيله، والسير عليه متحررًا من قيوده، أو متحررًا من قيود نفسي وحريتي، هاربًا من حرية تستعدي تحمل المسئولية وتبعاتها من ألم ومشقة!

 

IMG_20180906_091818

مرت سنة كاملة على شيء فعلته، وأقسم بالله أن الأمر يكاد يكون البارحة من شدة تقارب الشعور بأنني كنت ومازلت هناك. تسعة سنوات مرت على الثورة، وستة أعوام تمر على قرار مغادرة الجامعة، وخمسة أعوام ونصف تمر على بداية عملي في مجال الطهي، وعامين اثنين على تغيير مجال عملي، ثم عودتي إليه منذ أربعة أشهر، ثم أتركه للمرة الثانية منذ شهر. ومرت خمس سنوات على حوارت خيبانة أقحمت نفسي وآخرين معي في دراما مملة وكئيبة استمرت طويلًا.  وعامين على بداية تعلمي للبرمجة، وعامين على زيارتي الأولى لطبيب نفسي، وعامًا ونصف عام على كوباية شاي شربتها في قهوة في مدينة طنطا لم أذق مثلها حتى الآن. وأكثر من عشرين عامًا تحول بيني وبين يدي أمي الباردة في طريقنا من حضانة الأطفال إلى البيت. 

 

لماذا أشعر بالشفقة على نفسي إذا نظرت للساعة الأخيرة الماضية، أو لصباح هذا اليوم، أو لوقت خروجي من صلاة الفجر، لماذا دائمًا أشعر بأنني هناك في الماضي، وبأن نفسي تقف هناك وتنتظر، ما الذي تنتظره؟ لا أدري بحق، وكأنها ترفض فكرة مرور الوقت فتتوقف هيّ عن ملاحقته ويستمر هو في المُضي، ترفض الخسارة والتخلي، ترفض أن يفوتها شيء، وهي قد فاتها أغلب أو كل الأشياء، أظن أنها تكون في أفضل حالاتها هناك، كأنها منطقة راحة لها، كما يسمونها الأعاجم، أو كأنها تقول لي: أنا أقف هنا حيث مرت الأشياء وذهب الناس، ولم تعد هناك سباقات عنيفة بيني وبين الزمن تستدعي الألم. أنا هنا حيث لا شيء بقى وحيث لا أحد يقف، أنا هنا وحدي، حيث يخفت نباح الألم، أقف في الفراغ أحدق في لا شيء، أبكي على عتبة بيت لم يعد لي فيه أحد. أبكي كجندي فقد سريته وصحبته حيث يصبح للأشياء معنى.

الأمر واضح تمامًا؛ أرفض الألم وأرفض التعلم من خلاله، ولكن لا مفر، لا سبيل آخر للمضي بغير المرور على عتبة الألم. عتبة تقبل الخسارة والألم وتحمل المسئولية، والتفاوض للحصول على حلول وسطى وتنازلات للإعانة على الإستمرار في هذه الحياة.

 

روابط:

كيف يكون «الانضباط» أداة أساسية لحل مشكلات الحياة؟ الجزء الثاني: المسؤولية والهروب من الحرية

 

“الزمن لا يمرّ.. الزمن يدوم.. ما يمرُّ هم الناس..”
― هديل الحضيف, غرفة خلفية

“ماذا يعني أن تقف في المنتصف تماماً.. غير آبه لكل ما حولك، لكل ما فيك، لكل البهجة والبكاء اللذين يعيثان بك..
غير أنك تمر بحالة (المؤقت) الذي يعطل أحلامك حتى تتجاوزها أو تتجاوزك! ”
― هديل الحضيف

“لدى ذلك الشئ الذى لا أستطيع تسميته، لكنه يشبه ما في جندى مهزوم، يعود وحيداً إلي بيت لم يعد له فيه أحد..”
― هديل الحضيف, غرفة خلفية