رسائل تذكيرية!

منذ عام ونصف بدأت تعلم البرمجة من خلال تعلم بعض تقنيات الويب الموجودة على الساحة في الوقت الحالي، ولا يمكن أن أمر إلى هناك دون تعلم الأساسيات، أو أساسيات البرمجة بصورة أدق، المهم أن تلك الحقبة كانت سيئة نفسيًا بالنسبة لي ومرهقة إلى حد ما وما زال بعض أثرها أو كثير منها مستمر معى إلى يومي هذا. اليوم أراها لطيفة وظريفة كلما قرأت الملاحظات والخواطر التي دونتها في أثنائها.

بعض مما كتبته سأعيد نشره هنا، لعل بعض ممن يشق طريقه يلتفت إلى شيء منها. ملاحظة: ما زلت أشق الطريق أيضًا.


 

كلما قرأت أو شاهدت أمورًا متقدمة جدًا عن المسار الحالي الذي أخطو فيه أولى خطواتي، أشعر بالإرتياب الشديد من احتمالية الوصول لهذا المستوى، وذلك يتسبب في خلق شعور عام بالإحباط قد يمتد لأيام أو أسابيع، ليس فقط فيما أفعله الآن، بل في كل شيء محيط وكل شيء قادم. أشعر بقلة الحيلة وبضئالة النفس.
أعرف أنني أتخطى تلك المساحة التي تفصل بين استقرار الأمور إلى حد ما وبين الدخول في شعور عام سيء يغلف كل جانب من جوانب الحياة. أعرف أنني من المفترض أن ألتزم بالطريق الأول ولا أحيد عنه حتى آخره، أعرف أنني يجب أن أنتهي منه قبل أن أنظر في خرائط أخرى لطرق بعيدة قد لا أصل إليها في الوقت القريب.
لا أستيطع أن أسيطر على نفسي ومشاعري أثناء التعلم. أحيانًا أكون في قمة النشاط وأضع كل الإعتبارات والمخاوف في الحسبان وأستعد لها ولمواجهتها حينما تعترض طريقي، لكن بشكل مفاجيء أجد نفسي قد وقعت فريسة تحت مخالبها وتحت سيطرتها. والله وحده يعلم كيف أخرج من ذلك في كل مرة!

هل يصح أن أعترف أن عقلي سيء جدًا ولا أستطيع أستخدامه في التفكير بصورة جيدة أو مقبولة حتى؟ هل أستطيع أن أعترف بأنني لم أتصور ذلك عن نفسي إلى هذا الحد؟ أنني قد أقع في ورطة أو موضع ليس لطيفًا بسبب ضعف مهارات التفكير عندي؟ محمد عادل إذًا كان لديه كل الحق عندما قال أن المبرمج العربي تنقصه مهارات حياتية تمنعه من أن يكون مبرمج “شاطر” وبالتالي هو لديه مشاكل في أسلوب التفكير نفسه، وليس الحل بسيطًا وإنما يحتاج إلى عملية “إعادة تربية” على حد قوله.
#كود


 

لا أعرف لماذا أٌصر على فكرة أنني أفشل في محاولة تعلم البرمجة ولا اتقدم فيها ولو حتى بمقدار بسيط؟!

دعني أولًا أحلل لك المشكلة يا أستاذ حلّوف أفندي؛ أنا أعرف أنك تتعلم الآن لغة برمجية تدعى JavaScript – وهي ليست لغة برمجة بالمعنى الحقيقي وإنما هي لغة محسوبة على لغات البرمجة مؤخرًا كونها أثبتت نفسها مؤخرًا في المشاركة على منصات عديدة – ولقد سمعت عنها قبل أن تبدأ في درساتها بأنها لغة صعبة الفهم، أو من ناحية أخرى، هي لغة غبية ومتخلفة ومتعبة ومرهقة نفسيًا، حتى أن الناس في بلاد اللحم الأبيض أطلقوا على ذلك `JavaScript Fatigue`، لكنّ هذا ليس انطباعك الحقيقي عنها، لأنها بالفعل هي اللغة البرمجية الأولى على الإطلاق التي تشرع في تعلم البرمجة من خلالها، ولأن انطباعك عنها هذا هو ليس انطباع حقيقي كما قلت لك في السطر السابق لأنه مستمد من أراء وأفكار الآخرين عن اللغة وليس آرائك أنت عنها، ولأنك لا زلت لا تعرف اللغة بشكل جيد لتخاف منها كل هذا الخوف وتبني عليها نظرياتك الحلوة المسمسمة، ولأنك في هذه المرحلة بالتحديد أنت مجرد شخص بدأ في تعلمها، هناك أشياء كثيرة نظرية وعلمية تفهمها وتستوعبها بنسبة معقولة، تحل بعض المهمات البسيطة في الكورس الذي تتعلمها منه وتشعر حينها أنك تتقدم بالفعل، ويكفي أنك كسرت حاجز اللغة وتقرأ وتتعلم من مصدر إنجليزي وتستوعب من خلاله لغتك المحبوبة بنسبة معقولة كما قلت لك يا من ينسى كثيرًا، المهم، يجب أن تنتبه لبعض الأشياء أثناء رحلتلك وإلا فقد تنسى الحقيقة وتغفل عنها وتستمر في بناء سد يمنعك عن التقدم والتعلم:

1- أنت تتعلم جافاسكربت لأنك تحتاجها في حياتك بالفعل: لا أستطيع أن أتفلسف أمامك لآنني هو أنت في الحقيقة، لكنك لن تستطيع أن تستكمل حلمك الظريف اللطيف في العمل في مجال تصميم الويب إلا إذا تعلمت جافاسكربت وأتقنتها جيدًا. أنت تعرف أنك تحب المجال لأنك تحبه فعلًا ولديك اهتمام قديم به وليس فقط لأنك دخلت فيه من أجل سبوبة، إذا الهدف واضح هنا وهو أنك لا ترغب في أنك تكون نص لبة كأولئك الناس النص لبة الذين يدخلون المجال كسبوبة زاعمين أنهم سيجدون فيه شوال فلوس سهل وسريع. إذن عليك أن تكون شخصًا لا يسمح أبدًا بأي حال من الأحوال أن يصفه أحد بأنه نص لبة، ببساطة لأنه بعد كل ذلك لا يليق بك أن توصف بأنك كذلك، ووالله لن أرضاها لك يا أستاذ حلّوف أفندي.

2- أنت بالفعل تتقدم يا حلوووف، إفهم ولا تكن متخلفًا، أنت لم تكمل 60 يوم أساسًا منذ أن بدأت تتعلم اللغة، آه أعرف أنك تتقدم ببطيء بسبب تضييعك للوقت أكثر مما تتعلم لكن إذا نظرنا نظرة منصفة للأمور سنجد أنك بالفعل تقدمت أو تتقدم بشكل يومي ملحوظ `كمان` في اللغة، حتى ولو كنت تمشي ببطيء لكنك تتقدم، وهذا مؤشر جيد يجب أن يدفعك للإستمرار وشد الحيل شوية لا أن تحبط وتعيش في دور المغتصبة أو البنت التي تحاول أن تلصق بنفسها شرف `التحرش` بأي شكل بما أن التحرش تريند وإزاي أبقى بنت وماجربتش إن حد يتحرش بيا لحد دلوقت! المهم: عليك أن تعي لأفكارك والأسلوب الذي تستخدمه في التفكير وتقييم الأمور، لأنك إذا نظرت لنفسك منذ شهر واحد فقط ستجد أنك كنت لا تعرف أي شيء عن اللغة، والآن أنت تعرف القليل عنها، وهذا في حد ذاته جيد. لا داعي إذًا للشعور بالذنب دائمًا كلما نظرت إلى حالك ووجدت أنك تتقدم ببطيء أو تتأخر قليلًا في فهم بعض الأمور الصعبة، لأن هذا طبيعي ولأن البرمجة بالفعل صعبة على عكس ما يتم الترويج عنها، و “الطبخة الحلوة هي اللي بتستوي على نار هادية” مش كده؟ يعني الخبراء دائمًا يقولون لك أن تعلم البرمجة لن يتم في عدة أيام أو أسابيع أو حتى شهر، الأمر يحتاج إلى أسابيع حتى تعتاد عليه، ويحتاج إلى شهور حتى تستطيع أن تضع قدمك على الطريق، ويحتاج إلى سنين لكي تتقنه وتحترفه قليلًا، إذًا عليك أن تعي جيدًا إلى أنك تحتاج إلى أن تعطي الأمور حقها في الوقت. كم الوقت طيب؟ قلت لك لا تستخدم هذا الأسلوب في التفكير لأنه لن يجدي نفعًا غير جلب المتاعب، أنت قلت لنفسك من قبل أن عليك أن تتعب وتصبر وتنسى الوقت والطريق، ومع الوقت سيتجلى لك الطريق رويدًا وتعرف خطواتك وتوقيتات تحركاتك. المهم أنك لا يجب أن تدع يومًا يمر إلا وقد تعلمت فيه شيئًا وتقدمت خطوة للأمام. كل دقيقة تضيع منك الآن، تتسبب في تأخيرك كثيرًا في المستقبل.

3- مرة أخرى عن الوقت: الشيخ أنس السلطان قال أنك ستنظر إلى الأمر الذي يستغرق 4 سنوات لتحقيقه وإنجازه وستقول أنك لن تنجزه لأنه يستغرق وقت طويل، ولكن الأربع سنوات تلك ستمر ولن تشعر بها ولكنك ستجد أن الفرق الوحيد هو أنك لم تنجز أي شيء، وتلك الأربع سنوات كانت ستمر أيضًا بشكل طبيعي في حال أنك كنت تستغل كل يوم في العمل على إنجاز ذلك الأمر. وكريس كوير صاحب مدونة CSS-TRICKS قال أن كل شيء فعله وحقق فيه نجاحًا كان لأنه استمر في العمل عليه لوقت طويل. الحياة الآن أصبحت سريعة، وكلنا نظن أنه بإمكاننا تحقيق الأشياء بضغطة زر واحدة كما عودتنا الشبكات الإجتماعية، لكن هذه كذبة خطيرة، كل الأمور تحتاج إلى الوقت والصبر، كل الأمور تحتاج إلى التعب وتحتاج إلى التصادم مع المشكلات والإحباطات والإخفاقات. عليك فقط أن تتعلم كيف تقاتل كل يوم وتتعلم ولا تتوقف أبدًا مهما كلفك الأمر. لن أدعوك حلّوفًا الآن لأنني أعرف أنك ستذهب الآن لتتعلم، ولن تجد أحدًا ليقول لك أحبك غيري، أحبك يا أحمد.

مقال بيتر نورفج من المقالات الهامة جدًا في تعلم البرمجة : تعلم البرمجة في 10 سنوات:
http://programming-in-arabic.blogspot.com/2014/10/7.html
وكذلك مقال لماذا تعلم البرمجة صعب للغاية؟! وكيف تجتاز المراحل الأربعة لتعلم البرمجة:
https://www.arageek.com/tech/2017/07/25/why-programming-hard.html

هنا كنت أحدث نفسي، وهذا ظاهر جدًا من اللفظ الصارخ (حلوف) الذي نعتّ نفسي به. في مصر تعني الشخص الجبلة الذي لا يشعر ولا يتعلم من خطئه، وربما وصفته بالغباء نتيجة لتصرف أو سلوك غبي في مواقف أخرى. 🙂

برميل – 2

السبت، 22 فبراير

اليوم شعرت بالرغبة في القتال، لا أقصد بالقتال المشاجرة، وإنما الرغبة في المضي قدمًا ، الرغبة في أخذ حقي من الحياة كما قدُّر لي. ربما بصوت عال وأجشّ يخرج منّي في طريقه إلى سواق الميكروباص، أو باعتدال نظراتي وحركات جسدي في الشارع، أو صوت يأتي من الداخل على استحياء يقول لي: تغلب على حزنك، انتصر على اكتئابك اللعين، لا تستسلم.

تراودني فكرة أنني منذ 10 سنوات فقط، لم أكن هذا الشخص الذي أنا عليه الآن، المظهر الخارجي اختلف  بالتأكيد، كملامح الوجه، الطول الملحوظ، والضخامة المصاحبة للطول كذلك، ولكن الفرق الذي أنتبه إليه، أنني كنت أحمق وأبله، قليلًا أوغالبًا ما كنت أفكر بانني حزين،  ربما بعض الغيرة من نظرائي، لكن ما أقصده هو أن الشعور بالحزن الخام لم يكن يعرف لي طريقًا وقتئذ، أقصى أمانيّ حينها هو امتلاك الشجاعة لأخبر فتاة بأنني أعجبت بها، وللأسف لم يحدث.

تعتلي وجهي نظرة لا تنم عن شيء بشكل واضح سوى البلاهة، لم يكن على بالي شيئًا مما قد يحلم به مراهق في سني؛ كدخول كلية ما، أو الرغبة في أي شيء آخر قد يحلم به غيري. اللاشيء كنت هناك، ولكن مشدوهًا للعالم والحياة بأقل القليل تائهًا في تلك الدوامة التي لا تتوقف عن الدوران.  أما اليوم فبتًَ أبحث في كل مكان عن الاستقرار النفسي، والذي لم أجده قبلًا في أي مكان، بتّ اليوم أحمل حزني مكومًا على ظهري يثبط عزيمتي ويثقل خطواتي، بتّ اليوم وحيدًا أكثر من أي وقت مضى، إذ كنت وحيدًا على طول الطريق ولكن لم يتشكل لي المعنى بشموليته إلا في أثناء النضج، النمو، التجارب السيئة، الخسارات المتتالية، والضربة تلو الأخرى وألمًا يداوي جرح ماض وخيبات أمل كثيرة ومتتالية في نفسي وفي اهلي وفي الحياة، معنى واضح ومؤلم بصورة مريبة؛ أنت وحدك، وكنت وحدك، وستكون وحدك.

الآن، أرى أنني لم أختلف كثيرًا عما كنت عليه سلفًا، تبقى فقط قطعة واحدة من التيه يذوبها الحزن على وجهي لأتلاشى تمامًا، إن لم يأت غريبًا ويستبدل مكانها قيمة، أو رغبة في الحياة مجددًا.

بنيّ… تخيَّل أنكَ قد تضعف قُبيل قُدوم الفتح بقليل فتهجر ثغرك، وتغادر تلَّتَـك، وترفع يدك ، وأنت لا تدري أنها آخر شوكة قبل الثمرة وآخر سُنبُلةٍ يابسة قبل الوفرَة وآخر ليلة بالبئر قبل الوارِد … إيّاك أن تفعل!! فنحنُ نعبد الله ولا نعبد النتائج

– خديجة خويص

برميل – 1

الجمعة الأولى: 21 فبراير

لا شيء حاضر بذهني. لا يمكنني الظفر بشيء، بفكرة، بأمل، أو شبه خاطرة. لست ملهمًا كي أكتب لنفسي أو لأي أحد. هل عليّ أن أكون ملمًا بشيء ما حتى أكتب عنه؟ ألا يمكنني فقط الحديث عن نفسي؟ عن أقل القليل الذي أعرفه عنّي، كأنني أرغب في الكتابة أحيانًا  كثيرة لكنني لا أقدر، وأقول لا أقدر لأنني بالفعل أحاول ولا أستطيع. حتى هذا الفعل البسيط يا الله؛ كأن أقول: أشعر الآن بكذا وكذا، وأرغب في كذا وأود كذا، وحدث هذا وسيحدث ذاك وفعلت تلك.

يا الله، لو أنني فقط أتمنى شيئًا واحدًا في هذه الدنيا، سيكون امتلاك القدرة على إخراج ما بداخلي على ورقة.

يمكنني خوض المشقة!

أرى أن أي خطوة نحو التقليلية في الإرتباط بمنصات التواصل الإجتماعي هي بمثابة إنجاز يغبط المرء عليه، إنجاز في القدرة على كبح جماح النفس عن إدمان المفسد للوقت والروح، فهنيئًا لمن خرج تمامًا من هذه العوالم المريبة!

.
أغلقت حسابي على فيسبوك أكثر من مرة، ودائمًا كنت أشعر بأنني فعلت صوابًا، وخلال كل مرة، أجدني أقوم بالأعمال المؤجلة وأعتاد الأمر بسلاسة، وأتأني كثيرًا وأشعر وأنتبه وأتيقظ لما يدور حولي وداخلي. لا أقول أن الأمر سهل وبسيط ولا يتخلله الملل، ولكن الملل في حد ذاته يمكن أن نتلذذ به ونتمتع إثر الفائدة التي نتحصل عليها من القيام ببعض الأعمال.

`لا تفرط التفكير في المسألة، فقط قم بعملك.`

روابط:

تويتر وإعادة ضبط المصنع

كتاب واحد لن يغير فيك شيئا

( أقمتُ أربعين سنة أسألُ إخواني الذين تزوجوا عن أحوالهم في تزويجهم ؛ فما منهم أحد قال : إنه رأى خيراً !! . و سمعت بعض أصحابنا ممن أثق به قال : ” تزوجت لأصون ديني ؛ فذهب ديني و دين أمي و دين جيراني !! ” . )

( الشافعي : الإمام )

2-2-2020

أشعر الآن بالحاجة إلى مزيد من الإنعزال، وأقول لنفسي: أكثر مما فعلت وتفعل؟ العالم يستمر في التحرك، ولن يتوقف. طريق الخير مستمر إلى أن تقوم الساعة، وكذلك طريق الشر. لن يتوقف الزمن لي. ولن يرتاح بالي ولن تستقر نفسي ولا تهدأ روحي.

الأمور تستمر في التغير، سواء كان هذا التغير بطيئًا أو سريعًا، ملحوظًا او متخفيًا. أشعر الآن بالخوف الشديد. وأكثر من شعوري بالخوف هو شعوري بالوحدة، قد يكون الأخير هو المسبب للأول.

في هذه اللحظة، ينام إلى خلفي القط الذي وجدته صغيرًا ببقعة مظلمة في أحد شوارع قريتي منذ خمسة أشهر. لا أعتقد أن لديه نفس شعوري الذي أحاول جاهدَا أن أصفه لك الآن. هو يشعر عمومًا بكل تأكيد، وما أحاول قوله هو أنه ربما قد وجد سقفًا اطمأن أسفله واتخذه ملجئًا وملاذًا لروحه. أما أنا ففي كل خطوة أخطوها تجاه العالم بحثًا عن ملاذ آمن لي، أجد جدار روحي يتهاوى أكثر.

رغبتي في الإنعزال هذه المرة كأنها رغبة في الإنطفاء من الدنيا.

بيت هادئ يذكر فيه إسم الله، وأهل يرونني وأراهم.

اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة.

 

 

26-3-2017

حلمت طول الليل بمحمد أبو تريكة! كان يتردد على فترات، صلاة الظهر، ثم صلاة العصر، ثم ظهوره ليلًا في وقتٍ أرجّح أنه كان وقت لصلاة، إما بعد صلاة المغرب وإما بعد صلاة العشاء. ووالله ما رأيته إلا صلبًا متماسكًا برغم كل الحزن المتدفق من عينيه، وما كان إلا مبتسمًا ومنصتًا بشغف وبصدق لمن هم حوله.
في الطريق وبرفقة أصدقاء لي، قابلناه، كان ذاهبًا إلى المسجد وبجواره شخص ما، وكان وقت صلاة العصر تقريبًا، عرضنا عليه مرافقته، وما شاهدته بعد ذلك إلا في المسجد القريب والمجاور لنا وليس المسجد الذي كان في طريقه إليه، تحدثنا كثيرًا ولعبنا لعبة. كان طبيعيًا ومهندمًا وخلوقًا إلى أبعد حد، إذا رآنا أحد غريب عنه وعنا فلن يجد ما يفرقه عنا أو يفرقنا عنه سوى بحسن خلقه وطيب نفسه وابتسامته الرقيقة التى تدخل القلب بلا استئذان. وآخر ما أذكره هو رؤيتي له ليلًا يجلس مع رفيق، متكئًا عليه بميلٍ، وكأن كل الحزن في العالم يربض على وجهه السمح، لكن مع تسليم مطلق له! كنت أتأمله وأنا على بُعد خطوات قليلة منه، شعرت بالحاجة إلى التكلم معه، ذهبت تجاهه وأخبرته: “في مقال جميل جدًا قرأته عنك، عاوزك تشوفه.” فأنصت إلي باهتمام المستمع ، ثم استقيظت.

 

محمد أبو تريكة.. جودة المعدن وصفاء النفس – مدونات الجزيرة