16-2-2017

 نعم، أنتَ تعرف تلك الجملة التي ثبتت بشدّةٍ في ذاكرتِك منذ ذلك الوقت الذي سمعتها على لسان أحد الأطباء في مسلسل جرايز أناتومي: “لا يجب على أي شخص أن يموتَ وحيدًا!” أنت تميزها وتحفظها عن ظهر قلب، تعرف الموت لأنك اختبرته. لا، في الحقيقة هو من اختبرك، مرة، ومرّات.

أنتَ تذكُر صورة ‘بابا’ في ذهنك، كثيرًا، عندما فُتِحت عيناك أول مرة بعد خروجك من غرفة العمليات إلى غرفة المتابعة، تذكره يتردد حولك، يعرض المساعدة ويقف بجوارك عندما استفرغت المخدر من معدتك، تذكُر الممرضة الجميلة المتواضعة التي نسيْتَ اهتمامك بنفسك أمامها جراء فقدانك كثير من الوعي وشعورك بكثير من الألم، وتذكر الجرّاح يُعطي الإرشادات الأخيرة وتصريحه بالذهاب إلى البيت بعد ساعات قليلة. وتذكُر تساؤلاتك وتأملاتك المريبة وقتها، تلك الأفكار التي ترددت في ذهنك عن ماهية وجودك، ووجود ‘بابا’ معك في نفس الغرفة في ذلك الموقف، وكنت تعرف جيدًا في قرارة نفسك أن وجوده لم يكن  أكثر فائدة من وجود الممرضة أو الطبيب، وإنما شعورك تجاهه أتى من الرابطة البيولوجية بينك وبينه، فقد كانت الممرضة تكفي، لكن كما تعرف، الرابطة البيولوجية والحاجة الغريزية إليها!

أنت في قرارة نفسك تعرف جيدًا أنه وبآخر المطاف ثمة نهاية واقعة ومؤكدة لهذه الحياة، فالموت ما هو إلا نهاية تتسم بالوحدة، أنت لا تريد أن تعايش المرض وحيدًا في عزلة صارخة، أنت لا تريد أن تموت وحيدًا، تريد أن يحيطُك العالم، تريد أن تكون ببيتك وسط من تعرفهم. أنت تعرفهم، لكنهم لا يعرفونك، لذلك أنت لا تموت وحيدًا، لكن في الحقيقة، أنت أكثر إنسان يموت موسومًا بالوحدة.