مقهى كوستا في لندن – قرايات، صلاح حيثاني

مقهى كوستا في لندن

الرجل التسعيني في مقهى costa غارق في كرسيّ بلا مساند، لا يزال منذ نصف ساعة يصرخ بصوت متهدّج: ماريا، ماريا، يمكنك سماعي أليس كذلك؟. أنا تيم يا ماريا، عدت من أجلك، ماريا هل تتذكرين تيم؟، إنه أنا، أنا تيم.
فتصل نادلة وتقف بمواجهته وتقول: سيدي هل ناديتني؟
ــ لا يا سيدتي، كنت أنادي ماريا، إنها في الجانب الآخر، أحدس ذلك، ستسمعني وتأتي. ماريا، ماريا، هل تعرفين ماذا أحمل من أجلك؟، أحمل الصندوق ذاته، احتفظت به طوال هذه السنوات، هل تصغين إليّ؟. أنا تيم .
تصل نادلة أخرى شقراء، نحيفة، بملامح دقيقة، تقف على مقربة منه وتقول : أنا ماريا يا سيدي
رفع الرجل عينيه ببطء، ورمقها بهدوء، وبوجل خفيف قال: ماريا، أنت ماريا، هذا الصندوق الفضي الصغير من أجلك، إنه ثمين للغاية، لم أفرّط به طوال سنوات، انظري إليه، يبدو لامعا كما كان في آخر مرّة، إنه لك، لا تترددي، احتفظي به من أجل تيم .
ــ لا أستطيع يا سيدي، لا يمكنني الاحتفاظ بشيء من الزبائن.
ــ ماريا أنا لست زبونا، أنا تيم، انظري إليّ، عدتُ لتوّي، أستطيع أن أؤكد لك أنني لم أكن سعيدا أبدا، لمرات عدّة كنت أوشك على الموت، ثم أجد نفسي في مرات أخرى نازفا في ميناء أو صحراء، وأحيانا أستيقظ لأجدني معلقا من ساقيّ ومنكوسا على رأسي لأسباب أجهلها دائما، ولكنني عدت يا ماريا، فعلت كل شيء لأبقى حيّا من أجلك. إلمسيه بيدك، إنه الصندوق ذاته.
ــ شكرا لك يا سيدي، ولكن لا يمكنني أخذه، إنه القانون.
ـــ آه يا ماريا، لا أحد يعرف القوانين كما أعرفها، لقد عشت سنوات وأنا أتنفس بقانون وأبتسم بآخر وأجد نفسي حيا في نهاية اليوم بقانون جديد. لا أحد سيكتشف الأمر، أمسكي به وستعرفين على الفور أنه من أجلك، لأن ما نبحث عنه، يبحث عنّا بدوره أيضا وبمجرد أن تلمسيه ستكونين قطعت نصف الطريق الى تيم.
ــ هل تعتقد يا سيدي أنني ماريا بما يكفي لأحتفظ بصندوقك؟ ألا تجد يا سيدي أنني لست هي تماما، ماريا التي تستحق صندوقك ربما ستكون أوشكت على التسعين، إنْ لم تكن ماتت قبل سنوات طويلة، تطلّع بي، ألا أبدو لك ماريا أخرى؟
ــ الحب لا يجيد لعبة الزمن يا ماريا، إنه لا يظهر في مكان مزدحم سيكون كائنا غير مرئي، اخرجي معي الآن وستكتشفين أنك ماريا بما يكفي لتتذكري تيم وتحتفظي بصندوقه.
ــ أوه، لابأس، يمكنني الإحتفاظ به الآن، سألمسه من أجلك لأكتشف إن كنت أستحقه.
كان الرجل يتطلّع إليها بيأس وهي تمدّ يديها النحيلتين وتلتقطه، نظرت إلى تيم ، ابتسمت في وجهه وغادرته خلف البار الخشبي، وضعت الصندوق على رفّ مرتفع، وأشارت إلى تيم وهي تصالب يديها على قلبها وتشكره.
احتاج تيم إلى بعض الوقت ليعتاد على هيئته الجديدة من غير صندوق، ثمّ أخذ يراقب الوجوه المشدودة إليه، شعر بالحاجة إلى أن يقول شيئا ما ليكتمل يومه.
ــ كانت ماريا، ساعدتها لتستحق أن تكون ماريا دائما. شكرا لكم،ثم رفع قبعته بحركة مسرحية وأحنى رأسه وغادر المقهى.
طوال الأيام التالية، لم يظهر تيم، وبعد اسبوع سألت ماريا عنه، فقالت وهي ترمق كرسيّا بلا مساند: لا أحد يعرف شيئا عنه، إنها المرة الأولى منذ سنوات سيكون علينا أن نواجه كرسيّا بلا تيم.

09 – 01 – 2014, 08:13 PM
قدح (صلاح حيثاني)، قرايات الجسد
جسد الثقافة